
يقول المتنبي لما تمّلكه اليأس و تعب من تكرار دورة الأعياد، عيد بعد عيد، دون أن تتغير حاله ؛ بل بابتعاده عقب كل عيد عن طموحه و أمله في كافور الإخشيدي:
عيد بأي حال عدت يا عيد..
بما مضى، أم بأمر فيك تجديد؟!
و الشيء بالشيء يذكر … فقد استطابت النخب الموريتانية، منذ سقوط نظام ولد الطايع، الدعوة للحوار، و كلما فتحوا حوارا، سارعوا ، خفافا، إلى تنحية و إخفاء القضايا الجوهرية ، و انغمروا في نقاش الهوامش و النتائج مع إهمال المتون و الأسباب الحقيقة لأزماتهم… فينتهون إلى “موافقات” سرعان ما يتكشف زيفها؛ فينفجر الخصام من جديد… لتبدأ المطالبة من جديد بحوار جديد ينتهي إلى ذات المخرجات الملغومة بمتفجرات مؤقتة مخبأة في الصور التذكارية و معانقات الملاطفة الناعمة و صيغ المجاملات المخادعة، بردهات الفنادق و أفنية الفلل، غير بعيد جدا من موائد و بقايا المأكولات الباذخة! هكذا فعلوا، مهطعين، إلى الداعي للحوار في ظل المجلس الأعلى للانقلابيين مباشرة بعد سقوط نظام ولد الطايع،فرحل اعل ولد محمد فال و المصطفى ولد بدر الدين و محمد يحظيه ولد ابريد الليل بخفايا تلك الكواليس في تلك النقاشات و ممهداتها… و هكذا أيضا في حوار دكار، ٢٠٠٩ ، الذي انتهى بموافقات لا يدري عن كيفية حصول معجزتها إلا الله و رؤوس المتحاورين، و القذافي و ساركوزي، الأول ذهب بتلك الأسرار إلى بطن القبر ، و الثاني طواه النسيان معها في قعر السجن… و هكذا فعلوا، أو فعل بعضهم، في حوار ٢٠١١، و حوار ٢٠١٥، مع الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز و”شيشاطته”!
هذه المرة أكد الرئيس ولد الغزواني عزمه على تنظيم حوار “لا يستثني أحدا و لا موضوعا”!!
و الآكد أن الجميع سيدعون نواديهم كافة لذلك الحوار( إذا حصل)… و لن يبخلوا بشيء لحضور النقاشات و الموائد و عدسات المصورات … و سيناقشون كل شيء، و لا يناقشون شيئا واحدا، هو الأصل في كل ما ناقشوا و سيناقشون، و بإهماله دخلت البلاد في مختلف أزماتها: ما هوية الأكثرية الغالبة في موريتانيا، و تأسيسا عليها، ما الهوية الوطنية الجامعة للدولة على غرار ما هو حاصل في دول العالم؟
إن هذه المسألة لن تناقش، برغم تأكيد السيد الرئيس ولد الغزواني: و عند إثارتها، سيتلو المتحدث باسم نادي الإسلام المسيس قوله تعالى《 يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر و أنثى…》 إلى قوله:《 إن أكرمكم عند الله أتقاكم》، و سيعقب عليه أحد الأتباع بالقول:” دعوها فإنها منتنة”، أي الجاهلية المتماهية عندهم مع الهوية الثقافية المميزة للشعوب!. أما نادي الليبراليين، الذين لا إلى هؤلاء و لا إلى هؤلاء، فسيكتفون بالقول إن” الهوية محسومة”، دون تحديد قبلتها، داعين إلى تجاوز “النقاط الهامشية و التفاصيل العقيمة” في الحوار!؛ بينما نادي اليسار ” المسلوق” سيركز على تجربته النضالية في العقود الخالية في تجسيد الوحدة الوطنية عبر تنظيم خلايا تجمع البيظان و التكارير و السوانك و الولف! لكنه لن يذكر على أي شيء كانوا يتوحدون و يجتمعون و لا بأي لغة كانوا يتواصلون… فخبرتهم السياسية و دهاؤهم المكتسبان كافيان لإدراكهم بأنها “وحدة وطنية” فاقدة للبوصلة: بلا هوية أصلا، بلا ملامح ثقافية، و لا معالم لغوية ، و لا يجمعها على مستوى التأطير إلا مقتبسات من فكر أممي لا يعترف بالقومية و لا بالدين و لا بالحدود بين شعوب العالم، أما اللغة فلا تعني لهم شيئا أكثر من أداة للتواصل ، و إذن فلغات العالم و لهجاته كلها واحدة ، و يكفي منها اللغة الفرنسية، لغة الأب المؤسس للحزب الشيوعي الفرنسي، Ludo vic -Frossard، و هم في هذا كله، باستثناء الدين، يشتركون مع أتباع أممية الإسلام المسيس، الذين لا يقرون بأن للإسلام لغة، بل لغات الإسلام بعدد لغات المسلمين في كل مكان، و الشعوب كلها ، من دون حدود و لا هوية مميزة، أمة واحدة في الدين و في الشيوعية!
في هذا الحوار المرتقب كالمهدي المنتظر ، سيشري أنصار النظام ، أنصار كل نظام، الوقت لتزجية المرحلة الفاصلة بين انعقاد الحوار و انتخابات الرئاسة، ٢٠٢٩!
أما الذين سيحضرون الحوار باسم القوميين العرب ، فبعضهم سينشغل بصياغة التقارير ، و بعضهم بالصور التذكارية … بينما سيحضر إليه بعض القوميين العنصريين من التكارير لقطع الطريق في وجه الدعاية المضادة لهم، و هم على الحقيقة في حوار دائم مع الظروف التي تعيق تحقيق أجندتهم الانفصالية و التمزيقية للمكونتين العربيتين: لحراطين و البيظان!
و إذ يجمع جمع المتحاورين على أهمية الحوار الوطني، فلن يجمعوا أبدا على نقاش النقطة/ المرجعية التي نشأت عنها كل المطبات و المتاعب الوطنية: نقطة تحديد هوية هذا البلد، و تحديد الحقوق الثقافية و اللغوية لأكثريته العربية ، مع تعيين تميز خصوصية الحقوق الثقافية و القومية لمكونات الأقليات الزنجية. إن غياب نقاش مسألة الهوية ، هوية البلاد بصورة حاسمة، و نقاش تسمية الأكثرية من شعبها، في مؤتمر ألاكّ، و تواصل هذا الإهمال و الإنكار، في كل المراجعات الدستورية، لحقوق الأكثرية تحت غطاء المجاملات السياسية و الترحيل المزمن لتبعاتها، هو ما تسبب في هشاشة أسس بناء موريتانيا أول مرة، و تسبب في أحداث ١٩٦٦ و منشور ال١٩، و إنشاء التنظيمات التكرورية العنصرية مطلع ثمانينيات القرن الماضي التي تجمعت، لاحقا، في التنظيم السياسي- العسكري( افلام)، ١٩٨٦، و تسبب في سعي أقلية التكارير للانقلاب الإثني على النظام السياسي و على أسس العيش المشترك ١٩٨٧، و تسبب في أحداث ١٩٨٩، و التجاوزات الإجرامية ١٩٩٠، ١٩٩١ بحق بعض أفراد مجموعة التكارير في المؤسسة العسكرية، و تسبب في تشويه صورة البلاد الخارجية على أيدي مجموعة ا(فلام) المستقوية باللوبي الصهيوني في أوروبا و أمريكا، و تسبب ( أي غياب تحديد هوية البلاد و الحقوق الشرعية لأكثريتها) في انشقاق شرذمة متزنجة من مكونة لحراطين العربية و تحالفها، حد التماهي، مع ثلة العنصريين من اتكارير…
إن غياب نقاش الهوية و تعمد إخفاء خطورته ، هو تربة كل خطابات الكراهية و التشققات المجتمعية… و ما لم يناقش الموريتانيون هذه القضية بجرأة و مسؤولية، فلن تعرف البلاد استقرارا سياسيا و لا اجتماعيا؛ و ستكون ، أيضا، على مدى أكثر من ستين سنة قادمة، مع مواعيد متجددة للحوار … و مع الصدام!

.jpeg)
.jpeg)


.gif)
