
في السياسة، لا تُستخدم اللغة لتسمية الأشياء، بل لإخفائها، وحين تُكثر السلطة من الحديث عن “المستقبل” و“الأجيال” و“تجاوز الضيق”، فغالبا ما تكون قد قررت مسبقا أن تُعفي نفسها من الحاضر، ومن الناس، ومن الالتزام.
هذا ليس توصيفا نظريا، بل خلاصة لحظة سياسية حديثة، جرى فيها استدعاء الخطاب أكثر من استدعاء السياسة، والكلمات أكثر من الضمانات.
في مثل هذه اللقاءات، التي يُفترض أن تفتح أفقا عاما، تتحول اللغة إلى ضباب: عبارات ناعمة بلا سقف زمني، ووعود بلا آليات، وإجابات لا تُغلق سؤالا واحدا .
كلما ازداد الكلام عن “تجاوز الانقسامات” و“المصلحة العليا”، تضاءلت ملامح الحوار بوصفه فعلا تعاقديا، لا تمرينا إنشائيا . فالعبارات الفضفاضة لا تُنتج سياسة، بل تُنتج انتظارا، والانتظار في بلد متعب ليس فضيلة، بل شكل مهذّب من أشكال الإخضاع.
في هذا السياق، يُعاد تعريف الفعل السياسي ليُختزل في إدارة المعيش اليومي: أسعار، خدمات، طرق ، وكأن العدالة بند مؤجل، وكأن الحرية ملف يمكن ترحيله إلى مرحلة لاحقة. هنا لا يناقش الخلل في قواعد اللعبة، بل يُدار أثره ، فتتحول الدولة إلى مدير كبير، لا إلى عقد اجتماعي، ويُطلب من المواطن أن يشكر بدل أن يسأل، وأن يطمئن بدل أن يُحاسب.
أما الديمقراطية، فلا تموت فجأة ، إنها تذبل. تُقلم أظافرها باسم النظام، وتُكمم باسم الاستقرار، ثم يُطلب منها أن تبتسم للكاميرا. اما الانتخابات، حين تُطرح خارج شروط العدالة التمثيلية، وحياد الإدارة، واستقلال الرقابة، فلا تكون ممارسة سيادية، بل طقسا لإعادة إنتاج النتائج ذاتها، مع تغيير الواجهات فقط ، الشكل حاضر، أما الجوهر فيبقى معلّقا على وعود مؤجلة.
الأخطر من ذلك أن القضايا المفصلية مثل
[استقلال القضاء، الحريات العامة، تكافؤ الفرص السياسية، سلامة المسار الانتخابي ]
تُزاح إلى الهامش، أو تُختزل في إشارات عامة لا تُلزم أحدا ، وحين يُستعاض عن النقاش الصريح بالصمت، أو بالإجابات الرمادية، فإن هذا الصمت لا يكون فراغا ، بل موقفا، نيتشه كان سيقرأه بوصفه اعترافا بالعجز الأخلاقي، أو فائضا في إرادة السيطرة.
في النهاية، ليست المشكلة أن السلطة لا تقول كل شيء، بل أنها لم تعد مضطرة لقول الحقيقة ، فحين تُفرغ السياسة من صراعها المشروع، تتحول إلى إدارة، وحين تتحول إلى إدارة، يُختزل المواطن إلى رقم في خطاب طويل لا يحسم شيئا، لا يُطلب منه أن يقتنع، بل أن يتعود، والتعوّد، كما نعرف، هو أخطر أشكال الهزيمة: هزيمة بلا دموع، وبلا ضجيج، وبلا غضب.
بقلم المهندس بابه يعقوب أربيه

.jpeg)
.jpeg)


.gif)
