الحوار الوطني..... نداء العقل في لحظة مفصلية

خميس, 08/01/2026 - 21:22

ليس كل حوار دليل ضعف ولا كل صمت علامة قوة فبعض القرارات لا تفهم إلا إذا قرئت من زاوية الدولة لا من زاوية اللحظة ومن زاوية التاريخ لا من زاوية الخبر العاجل ومن هذا الباب تحديدا تأتي دعوة فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني إلى الحوار الوطني دعوة لا تفرضها أزمة ولا تستدعيها هشاشة ولا تمليها موازين مضطربة بل يختارها رئيس يمتلك من أدوات الحكم ما يكفي ليحكم بلا عناء ومع ذلك يصر على أن يحكم بتوافق

فالرئيس غزواني لا يدخل هذا الحوار وهو مكره ولا وهو محاصر بل وهو في وضع سياسي مريح أغلبية مطلقة ومأمورية ثانية في بدايتها ومؤسسات قائمة وسلطة تنفيذية مستقرة ومع ذلك وهو يحاول أن يفتح أفقا أوسع من منطق الأغلبية يدرك أن الدول لا تقاس فقط بقدرتها على فرض القرار بل بقدرتها على جعل القرار مقبولا ومحصنا وقابلا للاستمرار

وفي عمق هذا الخيار قراءة هادئة لتجارب الدول حيث أثبت التاريخ القريب والبعيد أن الاستقرار الذي لا يصاحب بتوافق يتحول مع الزمن إلى عبء وأن القوة التي لا تدعم بالحوار تظل ناقصة مهما بدت مكتملة من هنا يصبح الحوار فعل سيادة لا تنازلا عنها وتجسيدا عمليا لمعنى قوله تعالى (وأمرهم شورى بينهم) دون حاجة إلى رفع الشعار أو استعراض النص

إن شجاعة هذا المسار تكمن في كونه الطريق الأصعب فالحكم بالأغلبية أسهل وأسرع وأقل كلفة سياسيا أما الحوار فهو امتحان للصبر وقدرة على الاستماع واستعداد لتحمل اختلاف الرأي وهو ما لا يقدم عليه إلا من يثق في نفسه وفي شرعية خياره وفي متانة الدولة التي يقودها

وقد علمتنا السيرة النبوية أن القيادة الحقيقية لا تبحث عن الغلبة في كل محطة بل عن المآل وأن النبي صلى الله عليه وسلم حين اختار التفاوض في مواضع كان يستطيع فيها المواجهة لم يكن يضعف بل كان يؤسس لدولة تعرف متى تتقدم ومتى تتأنى وهذا المعنى حاضر اليوم دون ادعاء أو إسقاط في خيار رئيس يقرأ الواقع بعقل متزن ويزن الخطوات بميزان الوطن لا بميزان اللحظة

إن الحوار الذي دعا إليه الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني ليس حوار واجهات ولا حوار امتصاص غضب بل محاولة جادة لإعادة ترتيب العلاقة بين الدولة ومكوناتها السياسية والاجتماعية على قاعدة أن الاختلاف لا يفسد الانتماء وأن الوطن لا يختزل في حزب ولا في تيار مهما كانت قوتهما

وهو بذلك يوجه رسالة واضحة مفادها أن موريتانيا لا تدار بمنطق الإقصاء وأن الاستقرار الحقيقي لا يبنى على الصمت القسري بل على الرضا الواعي وأن الدولة القوية هي التي تسمع قبل أن تقرر وتجمع قبل أن تحسم

وهكذا فإن دعوة الحوار الوطني التي أطلقها فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني تظل واحدة من أكثر القرارات السياسية نضجا وعمقا في هذه المرحلة المفصلية من تاريخ البلاد فهي دعوة لا تقاس بآنيتها بل بما تحمله من رؤية بعيدة وبما تعكسه من إيمان راسخ بأن الأوطان لا تدار بالحد الأدنى من التوافق بل بأقصاه

لقد أظهر فخامة الرئيس من خلال إصراره الواضح على تنظيم حوار شامل وجاد أنه لا يبحث عن توافق شكلي ولا عن تهدئة مؤقتة بل عن تأسيس مرحلة جديدة تبنى فيها الثقة بين الدولة ومختلف مكوناتها ويعاد فيها الاعتبار للكلمة المسؤولة وللاختلاف الناضج وللوطن بوصفه الجامع الأعلى

وإن هذا الإصرار الصادر عن رئيس قوي بموقعه وشرعيته لا يمكن قراءته إلا بوصفه تعبيرا صادقا عن حس وطني عميق وعن وعي قيادي يدرك أن أعظم ما يتركه القادة بعدهم ليس كثرة القرارات بل جودة الخيارات وفي مقدمة هذه الخيارات أن تفتح الأبواب وأن تجمع الكلمة وأن يمنح الوطن فرصة أن يتقدم متماسكا لا منقسما

وفي مرحلة مفصلية تتزاحم فيها الأصوات وتضيق فيه المسافات بين الخلاف والقطيعة يبقى هذا الحوار شاهدا على أن موريتانيا تدار اليوم بروح الدولة وبحكمة القيادة وبإرادة رئيس آمن بأن الحوار حين يكون شاملا وصادقا ليس مجرد وسيلة للحكم بل ضمانة لمستقبل وطن

المهندس الشيخ بوحبيني