
قبل أكثر من ستين عاما، وقف جدي في وجه التعامل مع الدولة الحديثة وحكم بكفر رواد المدارس النظامية واعتبر الانخراط في أسلاك الوظيفة وأعوان السلطة توليا للظلمة والكفار!
بل وظل يرفض، في كل مرة المساعدات المقدمة من طرفها لفقراء حيه، حفاظا على نقاء عيشهم من الشوائب!
كان جدي رحمه الله يعتبر الدولة امتدادا للحكم الاستعماري ووسيلة لإفساد المجتمع وإخراجه من الملة بواسطة أفراد من المجتمع اكتتبهم المستعمر الكافر للقيام بالمهمة، نيابة عنه، بعد أن أعياه تحقيق أهدافه الخبيثة تلك!
ورث أبناء جدي(أبي وإخوته) عن والدهم، رحمه الله جميعا، ذلك النهج؛ فحافظوا على نقاء حينا من كل الشوائب الوافدة، بما في ذلك المذياع والأقمصة والأحذية الحديثة!
عمي الأوسط فقط اضطر للذهاب للمدينة وزار المستشفى، بعد أن أعياه المرض، و(رفع طبيب الحي التقليدي يده عنه)
لم يعد في الحي ما يدعو العم للرجوع إليه فقد حصد الجفاف ما كان يملك من ماشية وغطت الرمال مجرى الوادي، وشحب وجه السهل من ذاريات الرياح!
مع الوقت اقتنع كل أعمامي بالأمر ودرس أبناؤهم في المدارس وانتسبوا لكل الأسلاك العسكرية والمدنية، واهتم البعض منهم بريادة الأعمال فراكموا ثروات طائلة!
أبي وحده ظل متشبثا بما ورث عن أجداده!
وظل يحثنا(أنا وإخوتي) على التمسك بذلك!
شخصيا كنت مقتنعا بأن الأمر لايمكن أن يستمر على هذا النحو، لكنني أعرف أن الانجراف في كل ما هو وافد مزلة قدم، لذلك حاولت أن أجمع بين الحسنيين، بحيث يأخذ أبنائي من الدولة الحديثة ما يتلاءم وطبيعة مجتمعي التي ورثت كابرا عن كابر، ولازلت أتيه بها.
تقبل أبنائي الحل، فصار منهم إمام المسجد وشيخ المحظرة والمدرس!
لكن أحفادي الآن أصبحوا، أكثر انفتاحا وأعلى طموحا من أبنائي!أحفادي لايقبلون الآن بغير، بغير الاكتتاب(ضباطا) في الجيش، وتسيير المؤسسات الصناعية والمالية العملاقة، مثل أبناء عمومتهم!
لم يعد بإمكانهم الصبر على رؤية عدد هائل من ضباط الجيش في أسر الحي الأخرى، دون أن يكون في ذريتي أي ضابط!
لكن المؤسف أن كل هذا الطموح(المشروع) لم يحث هؤلاء الأحفاد، على البحث عن طرق مناسبة له؛ بل لايزالون متشبثين بذات الطريق التي رسمت(أنا) قبل ثلاثة عقود لآبائهم!
طريق لايمكن أن يؤدي لغير المهن ذاتها؛ إمام، أو شيخ محظرة أو مدرس!!
حفظ الله بلادنا من كل مكروه وزادها رفعة وأمنا ونماء
الديماني محمد يحي

.jpeg)
.jpeg)


.gif)
