الحوار الوطني الموريتاني: اختبار النضج السياسي وبناء المستقبل المؤسسي

جمعة, 16/01/2026 - 18:17
محمد تقي الله ولد عَيْبُتنَا

في لحظة استراتيجية، تتقدم موريتانيا كنموذج فريد في إدارة التعدد السياسي وصناعة التوافق الوطني. الحوار الوطني، الذي يُنظَّم تحت رعاية فخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، ليس مجرد حدث سياسي عابر، بل اختبار للنضج المؤسسي والقدرة على تحويل الاختلاف إلى طاقة إيجابية للبناء والتنمية.

سياق استثنائي واستباقي

ما يميز المبادرة الموريتانية هو توقيت إطلاق الحوار؛ ففي حين تلجأ معظم دول المنطقة إلى الحوار الوطني كوسيلة لحل أزمات متفاقمة، تأتي موريتانيا في مرحلة استقرار نسبي، مما يعكس رؤية حكيمة تسعى لحماية المكتسبات وتعزيز مرونة النظام السياسي في مواجهة التحديات المقبلة.

القيادة السياسية تواجه معادلة دقيقة: الحفاظ على المكاسب السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تحققت خلال السنوات الأخيرة، مع تمكين إصلاحات هيكلية تعزز القدرة المؤسسية للنظام على استيعاب تطلعات المواطنين.

تصميم الحوار: منهجية مبتكرة وفاعلية مؤسسية

يمتاز الحوار الوطني بتصميم مؤسسي متقن:
    •    ورشات موضوعية تعالج القضايا بعمق
    •    لجان إشراف مشتركة تضمن التوازن والشفافية
    •    آليات توافقية لاعتماد المخرجات بشكل جماعي
    •    جداول زمنية واضحة لكل مرحلة من مراحل النقاش

التنوع الكمي في المشاركة (70 حزباً، 240 شخصية مستقلة، أكثر من 1500 مواطن) يقابله تنوع نوعي في التمثيل: جغرافي، جيلّي، مهني ومعرفي، مما يضمن تحويل التعدد العددي إلى إثراء نوعي للسياسات الوطنية.

أولويات الحوار: رؤية شاملة وعملية
    1.    الوحدة الوطنية كأساس: معالجة الإرث التاريخي لتعزيز التماسك الاجتماعي
    2.    الإطار الديمقراطي: إصلاح المنظومة الانتخابية لضمان النزاهة
    3.    الحكامة المؤسسية: تعزيز الشفافية ومكافحة الفساد
    4.    العدالة الاجتماعية: ضمان تكافؤ الفرص والإنصاف

وتتجاوز القضايا المطروحة الحدود التقليدية، فمعالجة إرث العبودية تتطلب مقاربات متعددة تشمل القانون، التعليم، الثقافة، والعدالة الاجتماعية لضمان نتائج ملموسة ومستدامة.

ديناميكيات المشاركة وإدارة التوقعات

أنماط المشاركة متنوعة:
    •    فاعلة: تقديم مقترحات عملية
    •    رقابية: متابعة سير العملية
    •    استشارية: تقديم خبرات متخصصة
    •    رمزية: التأكيد على مبدأ المشاركة

ويواجه الحوار تحدياً في إدارة توقعات متعددة: النخب السياسية الباحثة عن مكاسب مؤسسية، المجتمع المدني الراغب في توسيع فضاءات التأثير، والمواطن العادي المنتظر تحسينات ملموسة.

المقارنة الإقليمية والدروس المستفادة

تُظهر التجارب الإقليمية المجاورة كيف يمكن أن يكون الحوار الوطني أداة فعّالة لإدارة الاختلاف إذا تم تفعيله بحكمة. فالتجربة التونسية في 2013 قدمت نموذجاً ناجحاً لحوار أنقذ البلاد من الانهيار، إذ اعتمدت على وساطة محايدة وضمان مشاركة جميع الأطراف المعنية، مما أتاح الوصول إلى توافق وطني حقيقي. بينما أظهرت التجربة المغربية عام 2011 أهمية إشراك أوسع للقطاعات السياسية والمجتمعية، حيث أثبت الإجماع الوطني على الإصلاحات الدستورية أنه مفتاح استقرار طويل الأمد. وفي السودان، قدمت تجربة 2019 درساً في ضرورة المرونة الزمنية والتكيف مع المستجدات، فقد ساعدت القدرة على تعديل جدول الأعمال وفق الظروف المتغيرة على الحفاظ على استمرارية الحوار وعدم تعطيله بسبب الأزمات المفاجئة.

من خلال هذه المقارنات، يبدو واضحاً أن العامل الحاسم لنجاح أي حوار وطني يكمن في وضوح الأجندة، مصداقية الوساطة، وجود آليات تنفيذ ملزمة، وتوازن القوى بين المشاركين. وهذه الدروس تشكل مرجعاً مهماً يمكن أن تستفيد منه موريتانيا لتفادي الأخطاء وتحقيق نتائج ملموسة ومستدامة.

التحديات والرهانات
    •    تحويل المخرجات النظرية إلى سياسات عملية
    •    التوازن بين إصلاح جوهري والحفاظ على الاستقرار المؤسسي
    •    قياس الأثر بطرق كمية ونوعية ومجتمعية

الرهانات واضحة: الدولة قد تكسب شرعية متجددة واستقراراً مستداماً، بينما المعارضة تحقق إصلاحات حقيقية وتعزز الشرعية الشعبية، والمجتمع المدني يسعى لتوسيع فضاءات التأثير وتحقيق إصلاحات هيكلية.

السيناريوهات المحتملة
    •    النجاح المؤسسي: إصلاحات هيكلية تعزز الشفافية وفعالية المؤسسات وثقة المواطن
    •    النجاح الرمزي: تعزيز الصورة الدولية والشرعية دون تغييرات عميقة
    •    الفرصة الضائعة: الحوار يتحول إلى منصة للخطاب السياسي دون نتائج ملموسة

آليات لضمان النجاح
    •    ربط المخرجات بالموازنات لضمان تمويلها
    •    متابعة مستقلة عبر هيئات رقابية
    •    تقييم دوري لضمان التنفيذ
    •    توثيق التجربة كمصدر تعلم مؤسسي مستمر

خاتمة: موريتانيا نموذج للتوافق والنضج المؤسسي

الحوار الوطني الموريتاني هو أكثر من مجرد عملية سياسية؛ إنه اختبار لقدرة المنظومة على:
    •    التكيف المؤسسي مع المتغيرات
    •    استيعاب التعدد وتحويله إلى إثراء
    •    الانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة الفرص
    •    تحويل الخطاب السياسي إلى ممارسات مؤسسية

النجاح يقاس بقدرة المخرجات على:
    1.    بناء الثقة بين المكونات السياسية المختلفة
    2.    خلق لغة سياسية مشتركة تتجاوز الخطابات التقليدية
    3.    إرساء آليات دائمة للتشاور وصناعة القرار
    4.    تحقيق نقلة ملموسة في حياة المواطن اليومية

موريتانيا اليوم أمام فرصة تاريخية لتقديم نموذج يجمع بين الحكمة من الخبرة التاريخية، والمرونة للتكيف مع المستجدات، والجرأة لمعالجة القضايا الجوهرية، والحذر للحفاظ على المكتسبات.

المشهد السياسي في المنطقة يراقب، والشعب الموريتاني ينتظر، والتاريخ يسجل. اللحظة دقيقة، والفرصة ثمينة، والمسؤولية مشتركة.

بقلم: محمد تقي الله ولد عَيْبُتنَا