عندما تتحول التعزية إلى عبء اجتماعي

اثنين, 26/01/2026 - 11:55
أحمد محمد حماده

لم تعد التعزية في المجتمع الموريتاني، في كثير من مظاهرها، ذلك الفعل البسيط الذي شُرع لجبر الخواطر ومواساة أهل المصاب، بل تحولت – مع الأسف – إلى ممارسة اجتماعية مثقلة بالتكلف، تحكمها العادة أكثر مما يضبطها الشرع، ويطغى فيها الاستعراض على الصدق، والضغط الاجتماعي على الرحمة.
فالمقصود من التعزية شرعًا هو التخفيف عن أهل الميت، لا إثقال كاهلهم، ومواساتهم بكلمة طيبة ودعاء صادق، ثم الانصراف دون إطالة. غير أن الواقع يشهد عكس ذلك؛ إذ أصبحت التعزية عند البعض أشبه بمهرجانات خطابية، تُنصب لها الخيام، وتُرفع فيها مكبرات الصوت، ويتناوب الخطباء على كلمات طويلة مكررة، بينما يُجبر أهل الميت على الجلوس ساعات، وهم في أقسى لحظات الحزن والانكسار.
الأخطر من هذا كله أن التعزية لم تعد تُعامل بالميزان نفسه بين الناس، بل تسلل إليها منطق الطبقية الاجتماعية. فتعزية الغني وذوي النفوذ تتحول إلى حدث كبير، يتسابق الناس إلى حضوره، وتُشدّ إليه الرحال، وتُطيل فيه الكلمات والخطب، في حين تمر وفاة الفقير – في كثير من الأحيان – في صمت، بحضور محدود وتعزية باهتة، وكأن الإنسان يُكرّم بعد موته بقدر ما يملك لا بقدر ما كان عليه من خلق وإيمان. وهو خلل أخلاقي قبل أن يكون اجتماعيًا، ويتنافى صراحة مع القيم الإسلامية التي ساوت بين الناس في الحياة والموت.
كما أن من المظاهر المخالفة لهدي الشريعة تحميل أهل الميت أعباء تنظيمية ومادية ونفسية، من استقبال وجمع الناس وتقديم الضيافة، في وقت كان الأولى فيه أن يُخفف عنهم، وأن يتولى المجتمع مواساتهم بالفعل قبل القول. وقد نبّه العلماء منذ القدم إلى كراهة كل ما يشق على أهل المصاب أو يخرج التعزية عن مقصدها الشرعي.
إن الإصرار على هذه الممارسات لا يعكس قوة التماسك الاجتماعي كما يظن البعض، بل يكشف عن خضوع غير واعٍ لسلطة العرف، حتى ولو كان ذلك على حساب الإنسان المكلوم. فكم من أهل ميت تمنوا أن تنتهي التعزية سريعًا، لكنهم صمتوا خوفًا من كلام الناس، وكم من حزنٍ حُرم من سكينته باسم المجاملة.
لسنا بحاجة إلى إلغاء التعزية ولا إلى تجفيف المشاعر، بل نحن بحاجة إلى مراجعة صادقة تعيد لهذه الشعيرة معناها الحقيقي: تعزية مختصرة، عادلة، تراعي حال أهل الميت، وتساوي بين الغني والفقير، وتقدم الإنسان على العادة، والرحمة على المظهر.
فالموت يساوي بين الجميع، والتعزية يجب أن تكون على قدر هذا المعنى، لا مرآة للفوارق الاجتماعية، ولا عبئًا يُضاف إلى حزنٍ لا يحتمل المزيد.