مالي على حافة التحول: انهيار ميداني وتساؤلات سياسية… وموريتانيا تترقب بحذر

أحد, 26/04/2026 - 19:28

تشهد مالي تطورات متسارعة تُنذر بمرحلة مفصلية في تاريخها الحديث، بعد سلسلة أحداث أمنية وعسكرية قلبت موازين القوى، وفتحت الباب أمام سيناريوهات غير مسبوقة في بلد يعاني أصلاً من هشاشة سياسية وتحديات أمنية مزمنة.

سقوط كيدال: عودة الأزواد إلى الواجهة

إعلان جبهة تحرير أزواد السيطرة الكاملة على مدينة كيدال لم يكن مجرد تقدم ميداني، بل يحمل دلالات رمزية واستراتيجية عميقة. فكيدال تمثل القلب التاريخي والسياسي للحركات الأزوادية، وسقوطها مجددًا خارج سيطرة الدولة يعكس فشل المقاربة العسكرية التي انتهجها المجلس العسكري منذ سنوات.

الأكثر إثارة للجدل هو الانسحاب المفاجئ لقوات ما يُعرف بـ“الفيلق الإفريقي” المرتبط بروسيا، والذي تم وفق اتفاق مع الجبهة الأزوادية، دون إشراك الجيش المالي. هذا التطور يعزز فرضية وجود تفاهمات غير معلنة، وربما إعادة تموضع روسي يعكس تغيرًا في حسابات موسكو داخل الساحل.

باماكو تحت الضغط: ضربات في العمق

بالتزامن مع انهيار الجبهة الشمالية، تعرضت العاصمة باماكو لهجمات منسقة استهدفت مواقع حساسة، بينها قاعدة كاتي، المركز العصبي للسلطة العسكرية. التقارير التي تحدثت عن مقتل قيادات عسكرية بارزة، من بينها رئيس الأركان ووزير الدفاع، إن صحت، تمثل ضربة قاصمة لبنية القيادة العسكرية، وتكشف عن اختراق أمني خطير.

هذه التطورات تضع الرئيس الانتقالي عاصيمي غويتا أمام اختبار وجودي، حيث لم يعد التهديد مقتصرًا على الأطراف، بل وصل إلى قلب السلطة نفسها.

نهاية مرحلة… أم بداية فوضى؟

يرى محللون أن ما يحدث في مالي يتجاوز مجرد انتكاسة عسكرية، ليعكس بداية تفكك محتمل للنظام القائم. فبعد إلغاء اتفاق الجزائر للسلام عام 2024، فقدت الحكومة أحد أهم أدوات التهدئة، لتدخل في مواجهة مفتوحة مع الحركات المسلحة دون غطاء سياسي كافٍ.

الانسحاب الروسي، في هذا السياق، قد يكون مؤشرًا على إعادة ترتيب التحالفات، وربما البحث عن قنوات تواصل مع الفاعلين الجدد على الأرض، وهو ما يثير مخاوف من سيناريو “تدويل غير مباشر” للأزمة.

موريتانيا: قلق مشروع واستعداد صامت

على الجانب الآخر من الحدود، تتابع موريتانيا هذه التطورات بقلق بالغ، وهو موقف عبّرت عنه رسميًا من خلال بيان وزارة الخارجية. غير أن القلق الموريتاني لا يقتصر على البعد التضامني، بل يرتبط بحسابات أمنية دقيقة.

فموريتانيا، التي نجحت خلال السنوات الماضية في تحييد نفسها نسبيًا عن الفوضى الأمنية في الساحل، تدرك أن أي انهيار شامل في مالي قد يؤدي إلى:

* تدفق اللاجئين نحو الأراضي الموريتانية، خاصة من المناطق الشمالية القريبة.
* تسلل الجماعات المسلحة عبر الحدود الشاسعة، مما يعيد تهديد الأمن الداخلي.
* اضطراب التوازن الإقليمي، خصوصًا في ظل غياب تنسيق أمني فعال بعد تراجع أطر التعاون الإقليمي.

بين الحذر والتحرك: خيارات نواكشوط

حتى الآن، تلتزم موريتانيا خطابًا دبلوماسيًا متوازنًا، يجمع بين دعم استقرار مالي وعدم الانخراط المباشر في الصراع. لكن استمرار التدهور قد يفرض على نواكشوط مراجعة هذا النهج، عبر:

* تعزيز الانتشار العسكري على الحدود الشرقية.
* تكثيف التنسيق الأمني مع الشركاء الدوليين.
* لعب دور وساطة محتمل، مستفيدة من علاقاتها المتوازنة مع مختلف الأطراف.

خاتمة: لحظة مفصلية في الساحل

ما يجري في مالي اليوم ليس حدثًا عابرًا، بل قد يشكل نقطة تحول في معادلة الأمن والاستقرار في منطقة الساحل بأكملها. وبينما تتجه الأنظار إلى باماكو وكيدال، تبقى العواصم المجاورة، وعلى رأسها موريتانيا، في حالة ترقب حذر، تدرك أن تداعيات الأزمة لن تتوقف عند الحدود.

في ظل هذا المشهد، لا يبدو أن المنطقة تملك ترف الوقت؛ فإما أن تتبلور تسوية سياسية عاجلة تعيد رسم ملامح الدولة المالية، أو أن يتكرس واقع ميداني جديد تفرضه القوة، بما يحمله ذلك من مخاطر تمدد الفوضى خارج الحدود. وبين هذين الاحتمالين، تقف دول الجوار أمام اختبار صعب: احتواء التداعيات، دون الانجرار إلى قلب الأزمة.

لكن السؤال الأهم يظل قائمًا: هل تتجه مالي نحو إعادة تشكيل سياسي جديد يفتح الباب أمام استقرار مستدام، أم أنها تنزلق نحو فوضى مفتوحة يصعب احتواؤها؟ والأهم من ذلك، هل تمتلك دول المنطقة القدرة على التكيف مع هذا التحول، أم أن تداعياته ستفرض واقعًا إقليميًا جديدًا يعيد رسم خرائط النفوذ والأمن في الساحل.

بقلم: تماد إسلم أيديه
صحفية وباحثة في الشأن العام