
أردت من خلال هذه الكتابة المتواضعة -والتي لن تكون طويلة مملة وأتمنى أن لا تكون قصيرة مخلة - تسليط الضوء على الشباب وعلى مجالات تدخله ومايعنيه خصوصا العمل السياسي باعتباره مدرسة لتكوين الشباب وتشجيعهم على الاهتمام بالشأن العام وبقضايا الوطن.
تعتبر ممارسة العمل السياسي حق لكل مواطن يكفله له القانون سواء كان شابا أو شيخا، لكن ممارسة الشباب للعمل السياسي قسمت إلى نظريتين أو اتجاهين أحدهما مؤيد والآخر محذر.
فالاتجاه المؤيد يرى أن انخراط الشباب في العمل السياسي ضرورة حتمية، بل هو ركيزة أساسية لأي مشروع تنموي أو إصلاحي جاد، فالشباب يمثلون القوة الحية في المجتمع، وهم الأكثر قدرة على التفاعل مع التحولات ومواكبة التغيرات، كما أنهم يحملون طموحات وآمالًا متجددة يمكن أن تُسهم في بناء مستقبل أفضل.
ومن هذا المنطلق، فإن إقصاء الشباب أو تهميشهم من الفعل السياسي لا يؤدي إلا إلى إضعاف الديناميكية المجتمعية وحرمان الدولة من طاقات بشرية هائلة، كما يؤكد هذا الاتجاه على أن العمل السياسي مدرسة حقيقية يتعلم فيها الشباب قيم المواطنة والمسؤولية والحوار، وقبول الرأي الآخر، مما يساهم في تكوين جيل واعٍ قادر على تحمل المسؤولية والمشاركة الفعالة في صنع القرار.
في المقابل، يرى الاتجاه المحذر أن انخراط الشباب في العمل السياسي ينبغي أن يتم بحذر، نظرًا لما قد يكتنف هذا المجال من تعقيدات وصراعات قد تؤثر سلبًا على مسارهم الشخصي والمهني.
فغياب الخبرة، وسهولة التأثر، والانجرار وراء الشعارات أو الاستقطابات الحادة، كلها عوامل قد تجعل بعض الشباب عرضة للاستغلال أو التوظيف في صراعات لا تخدم بالضرورة مصلحة الوطن، كما يشير هذا الاتجاه إلى أن العمل السياسي، في بعض السياقات، قد يطغى على الأولويات الأخرى للشباب، مثل التعليم والتكوين، مما قد يؤثر على مستقبلهم إذا لم يتم التوازن بشكل صحيح.
ومن هنا، يبدو أن كلا الاتجاهين يحمل جانبًا من الصواب، فالدعوة إلى انخراط الشباب في العمل السياسي لا ينبغي أن تكون دعوة مطلقة دون ضوابط، كما أن التحذير من مخاطره لا يجب أن يتحول إلى مبرر للإقصاء أو العزوف.
وفي تقديري الشخصي، فإن الحل يكمن في الجمع بين هذين الاتجاهين؛ أي تشجيع الشباب على الانخراط في العمل السياسي باعتباره حقًا وواجبًا، مع ضرورة التحلي بالوعي والنضج، واكتساب المعرفة والخبرة، والحرص على جعل المصلحة العامة فوق كل اعتبار، فالممارسة السياسية الواعية والمتزنة كفيلة بأن تجعل من الشباب قوة اقتراح وبناء، لا أداة صراع أو هدم.
إن الشباب اليوم مدعوون أكثر من أي وقت مضى إلى المشاركة في صياغة مستقبل بلدانهم، لكن هذه المشاركة ينبغي أن تقوم على أسس من المسؤولية، والتدرج، والالتزام بالقيم الوطنية، فبالوعي والحذر، وبالطموح والإرادة، يمكن للشباب أن يصنعوا الفرق، وأن يكونوا فاعلين حقيقيين في مسيرة التنمية والإصلاح.
بقلم : عبدالرحمن الشيخ أحمد، ناشط شبابي وسياسي

.jpeg)
.jpeg)


.gif)
