
يست كل عادة جديرة بالاتباع لمجرد قِدمها، كما أن حداثة الفكرة لا تجعلها بالضرورة خاطئة. وبين تقدير الموروث والانقياد له بلا تمحيص، تمتد مساحة رحبة يسترشد فيها الإنسان بعقله قبل التقليد، ويطرح الأسئلة قبل الاتباع. ومن هذا المنطلق يبرز تساؤل جوهري: هل نحن من نوجّه العادات ونحكمها، أم أنها هي التي تتحكم فينا؟
وفي كل مجتمع توجد عادات وتقاليد تُولد مع الزمن، بعضها يحمل قيمة إنسانية واجتماعية جميلة، كصلة الرحم، واحترام الكبير، والتكافل بين الناس، لكن في المقابل، هناك عادات أخرى لا تستند إلى دين، ولا إلى عقل، بل تعيش فقط لأن الناس اعتادوا عليها حتى أصبحت وكأنها قوانين غير مكتوبة لا يجرؤ أحد على مناقشتها.
المشكلة الحقيقية ليست في وجود هذه العادات، بل في تقديسها والدفاع عنها وكأنها جزء من الثوابت، رغم أنها أحيانًا تكون سببًا في ظلم الناس، وتعطيل حياتهم، وإشعال الخلافات بينهم، والأدهى من ذلك أن من يحاول نقدها يُتهم غالبًا بالخروج على المجتمع أو قلة الاحترام، بينما الحقيقة أن المجتمعات لا تتطور إلا عندما تراجع نفسها وتفكر بعقلانية وموضوعية.
فالكثير يتبعون بعض التقاليد دون أن يسألوا أنفسهم: لماذا نفعل هذا أصلًا؟ هل فيه منفعة؟ هل يحقق قيمة أخلاقية أو إنسانية؟ أم أنه مجرد تكرار أعمى لما فعله السابقون؟ فالعقل خُلق للتفكير لا للتقليد الأعمى، والإنسان الواعي لا يقيس صحة الأمور بعدد من يفعلها، بل بمدى منطقيتها وفائدتها، وقد جاء في القرآن على وجه الذم للخرافات والبدع المستحدثة (وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون).
هناك عادات تُرهق الأسر نفسياً و مادياً فقط من أجل “كلام الناس”، وعادات تتحكم في قرارات الأفراد الشخصية وكأن المجتمع يملك حق الوصاية على الجميع، وبعضها يزرع التمييز والتنمر والتدخل في حياة الآخرين تحت غطاء “هاذِ عاداتنا ”، والحقيقة أن العادة عندما تتحول إلى أداة ضغط أو ظلم أو تعطيل للعقول، فإنها لم تعد شيئًا يستحق الاحترام.
ليس المطلوب أن نحارب كل العادات، بل أن نفرّق بين ما يبني المجتمع وما يهدمه، فالعادات السليمة والجميلة تبقى لأنها تحمل قيمة، أما العادات الفارغة التي لا يقرها شرع ولا تحكمها مصلحة، فبقاؤها دليل على خوف الناس من التغيير أكثر من اقتناعهم بها.
على أن: "العادة محكمة" من القواعد الكلية المهمة في الفقه الإسلامي، ويسندها قوله تعالى: (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين)، وقوله صلى الله عليه سلم:"ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن".
والمجتمعات الواعية لا تخاف من النقد، بل تعتبره خطوة نحو النضج، وكل فكرة لا تستطيع الصمود أمام السؤال والنقاش، فهي فكرة هشة مهما طال عمرها، لذلك من حق كل إنسان أن يرفض العادات التي لا معنى لها، وأن يطالب بمجتمع يحكمه العقل والاحترام والقيم الخادمة لمعالي الأمور، والعادات الصحيحة تدل على يسر الشريعة ورعايتها لمصالح الناس، وهي من الشواهد على رفع الحرج في الشريعة الإسلامية.
والواقع أن العادات لخطورتها تبدأ سخيفة، ثم تغدو مألوفة، لتصبح لاحقا معبودة يتعلق بها الجميع.
أَصِلُ إلى أن: ما استقر في النفوس من جهة العقول، وتلقته الطباع السليمة بالقبول صُنف عند الدارسين مفهوما للعادات بغض النظر عن تبدلها وثباتها.
و السلام !
فاطمة حنن حنن

.jpeg)
.jpeg)


.gif)
