تيرس زمور: من ولاية المعادن إلى ولاية الفرص

ثلاثاء, 23/06/2026 - 18:27

 

عندما يُذكر اسم تيرس زمور في الوجدان الوطني، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن هو العطاء والإنتاج والصمود. فهذه الولاية التي تحتضن أهم الثروات المعدنية في البلاد لم تكن يومًا مجرد منطقة جغرافية في أقصى الشمال، بل كانت على الدوام ركيزة أساسية من ركائز الاقتصاد الوطني، وشاهدًا حيًا على قدرة الإنسان الموريتاني على تحويل تحديات الصحراء إلى فرص للبناء والتنمية.

لقد لعبت مدن الولاية، أدوارًا وطنية بارزة في مسيرة الدولة الموريتانية الحديثة، وأسهم أبناؤها في مختلف مواقع المسؤولية والإنتاج والخدمة العامة، مما جعل تيرس زمور أكثر من مجرد ولاية منتجة للمعادن؛ بل فضاءً وطنيًا غنيًا بالكفاءات والخبرات والطاقات البشرية.

وعلى المستوى السياسي، عرفت الولاية حيوية دائمة وحضورًا قويًا في مختلف المحطات الوطنية، وشهدت عبر العقود تشكل العديد من المبادرات والأحلاف والتكتلات السياسية التي أسهمت في إثراء المشهد الديمقراطي المحلي وتعزيز المشاركة السياسية. غير أن المرحلة التي تعيشها بلادنا اليوم تفرض رؤية جديدة تتجاوز الحسابات التقليدية، وتضع التنمية وخدمة المواطن في صدارة الأولويات.

فالمواطن في تيرس زمور لم يعد يقيس نجاح العمل السياسي بعدد الاجتماعات أو حجم الاصطفافات، بل بقدر ما ينعكس ذلك على حياته اليومية من تحسين للخدمات، وتوفير لفرص العمل، وتعزيز للبنية التحتية، وفتح آفاق جديدة أمام الشباب والنساء وأصحاب المبادرات.

إن التحدي الحقيقي الذي يواجه الولاية اليوم ليس في ندرة الإمكانات، بل في كيفية استثمارها بالشكل الأمثل. فالثروة المعدنية التي شكلت لعقود مصدر قوة للاقتصاد الوطني ينبغي أن تكون أيضًا رافعة للتنمية المحلية، ومصدرًا لخلق الفرص وتحسين ظروف العيش وتعزيز جاذبية المنطقة للاستثمار والتنمية المستدامة.

ومن هنا تبرز أهمية الانتقال من منطق التنافس حول المواقع إلى التنافس حول المشاريع والأفكار. فالمستقبل لا يُبنى بالشعارات وحدها، وإنما بالرؤى الواضحة والبرامج الواقعية والعمل الميداني الجاد. والنجاح الحقيقي لأي فاعل سياسي أو اجتماعي يقاس بما يتركه من أثر إيجابي في حياة المواطنين.

كما أن المرحلة تستدعي منح الشباب المكانة التي يستحقونها في صناعة القرار والمشاركة في رسم السياسات المحلية. فشباب تيرس زمور يمتلكون من الطموح والكفاءة والقدرة على الابتكار ما يؤهلهم للإسهام بفاعلية في قيادة مسيرة التنمية، متى ما أتيحت لهم الفرصة ووجدوا البيئة الداعمة والمحفزة.

وفي الوقت نفسه، فإن الحفاظ على وحدة الصف وتماسك النسيج الاجتماعي يظل شرطًا أساسيًا لتحقيق أي تقدم حقيقي. فالولايات لا تنهض بالصراعات الجانبية ولا بالخلافات الشخصية، وإنما تنهض حين تتوحد الجهود حول الأهداف الكبرى، وحين تصبح المصلحة العامة فوق كل اعتبار.

وتنسجم هذه الرؤية مع التوجهات التي يقودها فخامة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني، والتي تضع التنمية المحلية والعدالة الاجتماعية وتمكين الشباب وتعزيز اللحمة الوطنية في صدارة الأولويات. كما تعمل الحكومة على تنفيذ برامج ومشاريع تنموية في مختلف ولايات الوطن، بما يفتح آفاقًا جديدة أمام التنمية المتوازنة ويعزز فرص النهوض بالمناطق الداخلية.

إن تيرس زمور تمتلك اليوم كل المقومات التي تؤهلها لتكون نموذجًا وطنيًا في التنمية المحلية؛ من ثروات طبيعية هائلة، وموقع استراتيجي مهم، وكفاءات بشرية متميزة، وإرث من العمل والإنتاج والانضباط. وما تحتاجه المرحلة هو المزيد من التنسيق والتخطيط والاستثمار في الإنسان، باعتباره الثروة الأهم والأبقى.

وفي الختام، فإن تيرس زمور، بتاريخها العريق ومكانتها الوطنية وإمكاناتها الواعدة، مدعوة اليوم إلى فتح صفحة جديدة عنوانها العمل والإنجاز والتكامل. صفحة يكون فيها التنافس من أجل خدمة المواطن، وتكون فيها التنمية هي المعيار، وتكون فيها الوحدة والتضامن أساس كل نجاح.

فحين نجعل مصلحة الولاية فوق كل اعتبار، ونضع مصلحة الوطن فوق كل الحسابات، سنكون جميعًا شركاء في صناعة مستقبل أكثر إشراقًا لتيرس زمور ولموريتانيا بأسرها.

محمد تقي الله ولد عيبتنا
مفتش بمفوضية حقوق الإنسان
مستشار رئيس اللجنة الوطنية لشباب حزب الإنصاف
ابن مقاطعة افديرك