
هل كثرة القراءة تعني أننا مثقفون؟
بين جمع الكتب وفهمها، أين تبدأ الثقافة الحقيقية؟
في زمن أصبحت فيه الكتب متاحة أكثر من أي وقت مضى، لم يعد السؤال متعلقًا دائمًا بقدرتنا على الوصول إلى المعرفة، بل أصبح متعلقًا بطريقة تعاملنا معها. نستطيع اليوم أن نحمل مئات الكتب في هاتف واحد، وأن نصل إلى آلاف المقالات والآراء خلال دقائق، وأن نعلن بسهولة عن الكتب التي نقرأها. لكن وسط هذه الوفرة كلها، يبقى سؤال يستحق أن نتوقف عنده: هل كثرة القراءة تجعل منا أشخاصًا مثقفين؟
قد يبدو السؤال بسيطًا، لكن الإجابة عنه ليست كذلك.
فالقراءة في جوهرها ليست عملية جمع للأفكار، ولا سباقًا لإحصاء عدد الكتب التي أنهيناها خلال شهر أو عام. الكتاب لا يصبح ذا قيمة لمجرد أننا قلبنا صفحاته حتى النهاية، كما أن كثرة الكتب المقروءة لا تعني بالضرورة عمق الفهم. فقد يقرأ الإنسان عشرات الكتب ثم يخرج منها بالمعلومات نفسها التي دخل بها، بينما قد يقرأ شخص آخر كتابًا واحدًا ببطء وتأمل، فيجد فيه سؤالًا يغير نظرته إلى نفسه أو إلى العالم.
ربما تكمن المشكلة في أننا بدأنا أحيانًا ننظر إلى القراءة بوصفها إنجازًا، بدل أن ننظر إليها بوصفها تجربة فكرية.
نسأل بعضنا: كم كتابًا قرأت هذا العام؟ وما الكتب التي أنهيتها هذا الشهر؟ وقد نضع قائمة طويلة بالأسماء والعناوين، ونشعر بالرضا كلما استطعنا شطب كتاب منها. لكننا نادرًا ما نسأل السؤال الأصعب: ماذا فعلت بي هذه الكتب؟ ما الفكرة التي جعلتني أعيد التفكير في شيء كنت أعتقد أنني أفهمه؟ وما الذي تغير في طريقة نظري إلى الإنسان والحياة والمجتمع؟
ليس المقصود هنا التقليل من قيمة كثرة القراءة، فهي بلا شك توسع المعرفة وتفتح أبوابًا كثيرة أمام الإنسان. لكن الفرق كبير بين أن تقرأ كثيرًا وأن تفكر فيما تقرأ.
القارئ الحقيقي لا يتعامل مع الكتاب باعتباره مجموعة من المعلومات التي ينبغي تخزينها، وإنما باعتباره حوارًا مفتوحًا؛ يوافق الكاتب أحيانًا ويختلف معه أحيانًا أخرى، ويسأل عن الأدلة، ويقارن بين الأفكار، ويحاول أن يضع ما قرأه في سياقه. إنه لا يستقبل كل ما في الكتاب بوصفه حقيقة نهائية، ولا يرفضه لمجرد أنه يخالف أفكاره.
وهنا تبدأ القراءة النقدية.
أن تقرأ يعني أن تمنح النص انتباهك، لكن أن تفهم يعني أن تمنحه فرصة ليحاورك. وقد تكون أفضل الكتب هي تلك التي لا تجعلنا أكثر يقينًا دائمًا، بل تجعلنا نكتشف حجم الأسئلة التي لم نكن نعرف أننا بحاجة إلى طرحها.
ومن الخطأ أيضًا أن تتحول الثقافة إلى وسيلة للاستعراض. فمعرفة أسماء المفكرين والروائيين، وحفظ عناوين الكتب، واستخدام المصطلحات الصعبة، لا تجعل الإنسان مثقفًا بالضرورة. الثقافة أعمق من ذلك بكثير؛ إنها تظهر في طريقة تفكير الإنسان، وفي قدرته على الاستماع إلى رأي مختلف، وفي استعداده لمراجعة أفكاره، وفي طريقة تعامله مع الآخرين.
فما قيمة أن نقرأ عن التسامح إذا كنا عاجزين عن تقبل الاختلاف؟ وما قيمة أن نقرأ عن العدالة إذا لم نستطع رؤية الظلم حين يقع أمامنا؟ وما قيمة أن نقرأ عن تاريخنا إذا كان ذلك التاريخ لا يدفعنا إلى فهم حاضرنا بصورة أفضل؟
هنا تتجاوز القراءة حدود الكتاب، وتبدأ علاقتها الحقيقية بالحياة.
وفي موريتانيا، حيث تمتلك الثقافة حضورًا عميقًا في الذاكرة الاجتماعية، وحيث ارتبط العلم والكتاب طويلًا بمكانة الإنسان، تبدو هذه الأسئلة أكثر أهمية. فلدينا تراث غني من المعرفة والمخطوطات والشعر والعلم، وليس المطلوب فقط أن نفتخر بهذا التراث، وإنما أن نقرأه ونتأمله ونفهمه ونضعه في حوار مع أسئلة حاضرنا.
فالتراث الذي لا نقرأه يتحول إلى مجرد ذاكرة، والكتاب الذي لا نفكر فيه يتحول إلى مجرد شيء موضوع على الرف.
ولعل الثقافة الحقيقية تبدأ في اللحظة التي يتوقف فيها الكتاب عن كونه غاية، ويصبح وسيلة لفهم الإنسان والعالم. عندها لا يعود السؤال: كم كتابًا قرأت؟ بل يصبح: كيف غيرتني القراءة؟
قد لا يكون الإنسان المثقف هو الشخص الذي يستطيع أن يتحدث عن أكبر عدد من الكتب، وإنما الشخص الذي جعلته قراءته أكثر وعيًا بحدود معرفته، وأكثر قدرة على السؤال، وأكثر تواضعًا أمام ما لا يعرف.
فالقراءة ليست سباقًا، والثقافة ليست ميدالية.
وفي النهاية، ربما لا نحتاج إلى أن نقرأ لكي نقول للآخرين إننا قرأنا، بل نقرأ لكي نكتشف أن العالم أكبر من أفكارنا، وأن الحقيقة لا تسكن دائمًا في الصفحة التي نفتحها أولًا.
لذلك، لا تسأل نفسك فقط: كم قرأت؟
اسأل السؤال الأصعب والأصدق: ماذا تركت القراءة في داخلي؟

.jpeg)
.jpeg)


.gif)
