في الدفاع عن الجزائر: حين يُستباح شعب كامل باسم " الجرأة الفكرية "

أحد, 18/01/2026 - 11:38

الكاتب الصحفي / أحمد يحياوي..

في الدفاع عن الجزائر: حين يُستباح شعب كامل باسم " الجرأة الفكرية "

في السنوات الأخيرة ، ظهر خطابٌ يقدّم نفسه بوصفه " صادمًا " و" غير تقليدي " ، لكنه في جوهره ليس سوى إعادة تدوير قديمة لازدراء الذات ، مغلّفة بمصطلحات نخبوية خاوية. خطابٌ يزعم نقد الواقع ، فإذا به ينزلق سريعًا إلى إهانة شعب بأكمله ، والتشكيك في هويته ، وتحقير تاريخه ، وكأنّ الأوطان تُقاس بانطباع شخصي أو مزاج عابر.

الجزائر، في هذا الخطاب.. خطاب الأستاذ نور الدين بكيس عبر الشاشات الأعلامية ، لا تُقرأ بوصفها مسارًا تاريخيًا معقّدًا ، بل تُختزل في صورة كاريكاتورية مشوّهة: شعب " متخلّف " ، " ثقافة منحطّة " ، وتاريخ                          "مبالغ فيه ". هكذا، وبجرة لسان ، للأسف يُلغى شعب كامل من المعادلة الإنسانية.

التعميم ليس شجاعة.. بل فشل لا شيء يكشف بأنه خطاب عشوائي أجوف أسرع من التعميم. حين يُدان الملايين بلغة واحدة ، فإننا لسنا أمام تحليل ، بل أمام انهيار معرفي. فالعلم ، والسياسة ، والفكر النقدي ، تقوم جميعها على التمييز لا الخلط ، وعلى التفكيك لا التسطيح.

الشعوب لا تُصنّف أخلاقيًا كما تُصنّف السلع. وأي خطاب يدّعي النخبوية ثم يسقط في هذا المستنقع ، إنما يفضح نفسه: لغة فوقية ، عقل جامد ، ومعرفة مبتورة.

الجزائر ليست حادثًا عابرًا في التاريخ.. الجزائر لم تُولد في استوديوهات الإعلام.. ولم تُصنع على موائد الجدل الافتراضي. الجزائر تاريخ متراكم ، تشكّل عبر قرون من التفاعل الحضاري ، والمقاومة ، وإعادة البناء.هي أرض قاومت الاستعمار الاستيطاني واحدًا وثلاثين عامًا قبل الثورة ، ثم فجّرت واحدة من أعظم حركات التحرّر في القرن العشرين. شعب قدّم ملايين الشهداء لا يمكن ، بأي منطق سليم ، اختزاله في نعوت مهينة. فالتاريخ لا يُكتب بالاحتقار، بل بالتضحيات. 

النقد المشروع لا يمرّ عبر إهانة الناس نعم ، الجزائر تعاني اختلالات عميقة. هذا ليس سرًا ولا محرّمًا. لكن نقد الدولة لا يساوي تحقير المجتمع ، ومساءلة السياسات لا تعني شطب الإنسان. الخطاب الذي يقفز مباشرة من فشل النخب إلى شيطنة الشعب ، لا يسعى إلى إصلاح ، بل يبحث عن صدمة مجانية ، وعن تصفيق سهل من جمهور اعتاد جلد الذات حتى صارت عنده فضيلة.

المقارنات الانتقائية:  لعبة قديمة بوجه جديد حين تُقارن الأمم خارج سياقاتها ، وحين يُنتقى من التاريخ ما يخدم الفكرة ويُهمَل ما يناقضها ، فنحن لا نمارس نقدًا، بل نكتب دعاية معكوسة. التاريخ لا يُقاس بمن سبق زمنيًا فقط ، ولا بمن راكم مظاهر شكلية ، بل بمن صمد ، وبمن حافظ على وحدته ، وبمن رفض الذوبان رغم محاولات الإلغاء. والجزائر، بكل جراحها، ما زالت قائمة ، موحّدة ، عصيّة على التفكيك والتشتيت.

الجزائر ليست مثالية لكنها ليست حقيرة الدفاع عن الجزائر لا يعني ادّعاء الكمال ، ولا الهروب من النقد ، ولا تبرئة الفشل. لكنه يعني شيئًا واحدًا واضحًا: رفض تحويل النقد إلى إهانة ، والجرأة إلى وقاحة ، والتحليل إلى شتيمة مقنّعة.

الجزائري ليس مادة للسخرية ، ولا مشروعًا ناقصًا ينتظر " نخبة مستنيرة " لتعيد تشكيله. هو إنسان، له كرامة، وله تاريخ ، وله حق في أن يُنتقد بإنصاف لا بازدراء.

الخلاصة: الرقي هو الموقف الجوهري للجزائر.. فهي لا تحتاج من يدافع عنها بالصراخ ، ولا تخاف من النقد الصادق البناء ، لكنها ترفض أن تُجلد باسم الفكر، وأن تُهان باسم الحداثة ، وأن تُختزل باسم الجرأة.

الرقي ليس في ارتفاع الصوت ، بل في ارتفاع المعنى.. والجزائر - رغم كل شيء - أعلى من أن تُختصر في رأي ، وأكبر من أن تُهان بخطاب عابر.