حول أسعار الإسمنت في موريتانيا: المسألة ليست في الشعار، بل في بنية الكلفة

خميس, 25/06/2026 - 18:52
بقلم: الرضي ولد ابوه - خبير في سياسات التنمية والاستثما

النقاش الدائر حول أسعار الإسمنت في موريتانيا نقاش مشروع ومفهوم، لأن الإسمنت مادة أساسية في البناء وتمسّ القدرة الشرائية للمواطنين. غير أن هذا النقاش ينبغي أن يُدار بمنطق اقتصادي وفني، لا بمنطق شعبوي يختزل المسألة في مقارنة سطحية بين سعر في بلد وسعر في بلد آخر.

 

لا يمكن أن نطالب في الوقت نفسه بالتصنيع، والمحتوى المحلي، وتشجيع الاستثمار الوطني، ثم نحول كل مشروع صناعي محلي إلى هدف لحملة عامة كلما ظهرت مقارنة غير مكتملة مع سوق خارجية تختلف جذرياً في شروط الإنتاج والضرائب والطاقة واللوجستيك.

 

المقارنة مع الجزائر، مثلاً، ليست مقارنة قياسية عادلة. الجزائر بلد منتج للكلنكر، ولديه قاعدة صناعية واسعة، وسوق داخلي كبير، وفائض قابل للتصدير، وتكاليف طاقة مختلفة. لذلك فإن أخذ السعر الجزائري وتقديمه كمرجع مباشر لموريتانيا يؤدي إلى نتيجة مضللة، لأنه يتجاهل أن موريتانيا لا تنتج الكلنكر محلياً بنفس الشروط، بل تستورده بالدولار وتبني عليه كامل كلفة الإنتاج.

 

المقارنة الأقرب فنياً هي مع دول غرب إفريقيا التي تعتمد، مثل موريتانيا، على استيراد الكلنكر، مثل ساحل العاج. لكن هذه المقارنة، عند قراءتها بدقة، لا تضعف موقف الصناعة المحلية في موريتانيا، بل تقويه.

 

فساحل العاج سوق أكبر بكثير من موريتانيا، وبها حجم طلب أعلى، وقاعدة صناعية أوسع، وميناء أبيدجان القادر على استقبال شحنات كلنكر ضخمة قد تصل إلى حدود 100,000 طن. ومع ذلك، فإن السعر الرسمي في أبيدجان ليس بعيداً عن السعر في موريتانيا، بل في بعض المستويات أعلى منه.

 

حسب القرار الرسمي الإيفواري المحدد لأسعار الإسمنت، يبلغ سعر طن الإسمنت 42.5N في أبيدجان:

- 78,000 فرنك إفريقي: سعر الخروج من المصنع؛

- 83,000 فرنك إفريقي: السعر المُسلَّم؛

- 85,000 فرنك إفريقي: سعر الجملة؛

- 90,000 فرنك إفريقي: سعر التجزئة (*)

 

وبالتحويل التقريبي إلى الأوقية الجديدة، فإن 78,000 فرنك إفريقي تعادل حوالي 5,460 أوقية جديدة للطن، وهو مستوى قريب جداً من سعر الخروج من المصنع في نواكشوط بالنسبة لإسمنت 42.5، والذي يبلغ حوالي 5,500 أوقية جديدة للطن. كما أن 85,000 فرنك إفريقي تعادل حوالي 5,950 أوقية جديدة للطن، و90,000 فرنك إفريقي تعادل حوالي 6,300 أوقية جديدة للطن. أي أن سعر الإسمنت في موريتانيا ليس شذوذاً إقليمياً كما يصوره البعض، بل قريب من سعر الخروج من المصنع في أبيدجان، وأقل من سعر الجملة والتجزئة هناك، رغم أن ساحل العاج تستفيد من سوق أكبر، وميناء أقوى، وكميات استيراد أكبر، ورسوم أخف على الكلنكر.

 

وهنا تظهر المسألة الأساسية: ساحل العاج تعمل داخل منظومة CEDEAO، حيث يبلغ العبء على الكلنكر في حدود 12.5%، بينما تتحمل موريتانيا عبئاً جمركياً وضريبياً على الكلنكر يصل إلى حوالي 25%. فكيف نطلب من مصنع موريتاني أن ينتج بنفس كلفة مصنع يعمل في سوق أكبر، بميناء أقوى، وبعبء ضريبي أخف على المادة الأساسية؟

 

في صناعة الإسمنت، الفارق لا يصنعه سعر البيع وحده، بل تصنعه سلسلة كاملة من العوامل: الكلنكر، الشحن البحري، حجم السفينة، التفريغ، الانتظار في الميناء، الطاقة، الأكياس، الصيانة، الرواتب، التمويل البنكي، والضرائب. وكل عنصر من هذه العناصر ينعكس مباشرة على كلفة الطن قبل أن يصل إلى المستهلك.

 

أما بخصوص الحديث عن جودة الإسمنت الموريتاني، فيجب أن يكون النقاش هنا أيضاً فنياً لا انطباعياً. جودة الإسمنت لا تقاس بمنشور على فيسبوك، بل بالمطابقة الفنية، التجارب المخبرية، الاستعمال في المشاريع الكبرى، واستمرارية المنشآت عبر الزمن. الإسمنت المنتج في موريتانيا استُخدم في مشاريع وبنى تحتية كبرى، من بينها ميناء نواكشوط، مطار أم التونسي، منشآت صناعية ومعدنية كبرى، ومشاريع مرتبطة بمؤسسات مثل كينروس تازيازت، ومشروع MCM، وSNIM. ولم يكن إنجاز هذه المشاريع مشروطاً باستيراد إسمنت جاهز من الخارج.

 

ميناء نواكشوط نفسه قائم منذ قرابة أربعين سنة، ولا تزال بنيته الأساسية شاهدة على أن الإشكال ليس في قدرة الإسمنت المحلي على الدخول في مشاريع كبرى، بل في ضرورة احترام المواصفات الفنية والرقابة الهندسية في كل مشروع. فلو كانت المشكلة بنيوية في جودة الإسمنت الوطني، لما استُخدم في منشآت استراتيجية بهذا الحجم، ولما استمر جزء كبير منها لعقود في ظروف بحرية ومناخية صعبة.

 

وهنا يجب التمييز بين المصنع والتاجر. التاجر يمكن أن يستورد كمية محدودة عندما تكون ظروف السوق مناسبة، يحقق هامشاً سريعاً، ثم يخرج من السوق إذا تغيرت الأسعار أو ارتفعت كلفة الشحن. أما المصنع، فهو التزام طويل المدى: عمال، آلات، صيانة، ضرائب، مخزون، تمويل، مسؤولية اجتماعية، وتوريد منتظم للسوق في فترات الرواج والركود معاً.

 

لهذا لا يجوز قياس الصناعة الوطنية بمنطق الربح التجاري القصير. المصنع لا يعمل كوسيط يبحث عن فرصة ظرفية، بل كبنية إنتاجية تتحمل مخاطر مستمرة وتخلق قيمة داخل البلد. وقد يبدو الاستيراد الجاهز أقل كلفة في لحظة معينة، لكنه لا يبني قدرة صناعية، ولا يضمن استمرارية التموين، ولا يوفر نفس الأثر على التشغيل والضرائب والخدمات المحلية.

 

إضافة إلى ذلك، تتحمل المصانع في موريتانيا كلفة تمويل مرتفعة داخل النظام البنكي. الصناعة تحتاج إلى تمويل كبير وطويل الأجل لشراء الكلنكر، قطع الغيار، الأكياس، الطاقة، وتسيير المخزون. وعندما تكون أسعار الفائدة مرتفعة وشروط التمويل صعبة، فإن جزءاً معتبراً من الكلفة ينتقل تلقائياً إلى سعر المنتج النهائي. لذلك فإن أي نقاش جاد حول سعر الإسمنت يجب أن يشمل أيضاً كلفة التمويل الصناعي، لا أن يختزل الموضوع في اتهام المصانع وحدها.

 

إذا كان الهدف فعلاً هو جعل الإسمنت أقل كلفة على المواطن، فالحل ليس تدمير المصانع المحلية ولا فتح الباب عشوائياً أمام الإسمنت الجاهز المستورد. الحل الحقيقي هو معالجة أسباب الغلاء من المصدر: طاقة موجهة للصناعة بسعر تنافسي، مراجعة الرسوم على الكلنكر والمدخلات الأساسية، كفاءة أفضل في الميناء، تمويل صناعي أقل كلفة، وتنظيم عقلاني للسوق.

 

مصانع الإسمنت في موريتانيا ليست مجرد نشاط تجاري بسيط. هي استثمارات صناعية تدفع سنوياً مبالغ معتبرة لخزينة الدولة، وتشغل عمالاً موريتانيين، وتخلق نشاطاً اقتصادياً في النقل، المناولة، الصيانة، الخدمات، والتموين. إضعاف هذه المصانع تحت شعار "الإسمنت الرخيص" قد يبدو جذاباً في المدى القصير، لكنه يحمل كلفة أكبر على المدى الطويل: تراجع الصناعة المحلية، انخفاض مداخيل الدولة، فقدان الوظائف، وزيادة تبعية السوق للخارج.

 

نحن لا ندافع عن أي هامش ربح غير مبرر، ولا نرفض الشفافية في الأسعار. بالعكس، الشفافية مطلوبة. لكن المنطق الاقتصادي السليم يقول إن خفض سعر الإسمنت يبدأ بخفض كلفة إنتاجه، لا بضرب الصناعة الوطنية. أما تحويل الموضوع إلى حملة ضد المصانع، فهو يتناقض مع كل خطاب الدولة حول التصنيع، المحتوى المحلي، وجذب الاستثمار.

 

الحل ليس في الشعارات، بل في الإصلاح الاقتصادي العملي: سياسة طاقة مناسبة للصناعة، ضرائب أذكى على المدخلات، ميناء أكثر كفاءة، تمويل صناعي بشروط أفضل، رقابة فنية شفافة، وحماية عقلانية للإنتاج الوطني.

 

(*) المصدر: