انتخاب إسماعيل ولد الشيخ أحمد… نجاح للدبلوماسية الموريتانية وفرصة لتعزيز حضورها الدولي… والداخلي

سبت, 29/08/2026 - 18:07
مهله أحمد

لا شك أن انتخاب الأخ إسماعيل ولد الشيخ أحمد أمينًا عامًا لمنظمة التعاون الإسلامي بالإجماع، يشكّل حدثًا تاريخيًا مهمًا ونجاحًا دبلوماسيًا باهرًا لبلدنا موريتانيا، ولا سيما على مستوى القيادة العليا للبلد. وهو كذلك مصدر فخر واعتزاز لشعبنا الذي يتطلع دائمًا إلى تعزيز حضور بلاده وتأثيرها في المحافل الإقليمية والدولية.

وتزداد أهمية هذا الإنجاز إذا تذكرنا أن موريتانيا من الدول الأعضاء المؤسسة لمنظمة التعاون الإسلامي، ثاني أكبر منظمة حكومية دولية بعد الأمم المتحدة من حيث عدد الدول الأعضاء، إذ تضم 57 دولة موزعة بين الفضاءات العربية والإفريقية والآسيوية.

ومع ذلك، ظلت موريتانيا، خلال فترات طويلة، محدودة الحضور والتأثير داخل المنظمة، بل ربما ساهمت سياساتنا الخارجية السابقة أحيانًا في هذا التهميش، حتى إن مسألة الوفاء بالالتزامات المالية تجاه المنظمة لم تكن تحظى دائمًا بما تستحقه من اهتمام.

وكان ذلك رغم وجود عدد من الكفاءات الموريتانية المتخصصة ضمن موظفي المنظمة، ممن استطاعوا الالتحاق بها بفضل خبرتهم وكفاءتهم ومصداقيتهم وسمعتهم المهنية الطيبة.

وقد عشت شخصيًا جانبًا من هذه التجربة عندما وفقني الله، سنة 2015، إلى تولي منصب المديرة العامة للشؤون الثقافية والاجتماعية وشؤون الأسرة في الأمانة العامة لمنظمة التعاون الإسلامي. وكان ذلك، بعد توفيق الله، بتشجيع كريم من بعض الزملاء في المملكة العربية السعودية الذين كنت قد تعرفت إليهم خلال فترة الحكومة الانتقالية 2005-2007، عندما كنت وزيرة للثقافة والشباب والرياضة، وشجعوني لاحقًا على تقديم ترشحي للمنصب.

ثم تكرمت الحكومة الموريتانية آنذاك بعدم الممانعة في تعييني، ولم تتكلف بلادنا في ذلك الوقت جهدًا ماليًا أو حملة دبلوماسية خاصة، وإنما اقتصر الأمر على مذكرة شفوية وجهتها وزارة الخارجية إلى الأمانة العامة للمنظمة آنذاك.

أما اليوم، فقد تغيرت الصورة بصورة لافتة؛ إذ نجحت بلادنا، والحمد لله، في تقديم ودعم مرشح يتمتع بكفاءة عالية وتجربة دولية كبيرة وأخلاق رفيعة، فضلًا عن شبكة واسعة من العلاقات في مجال الدبلوماسية الدولية، ولا سيما مع عدد من الدول العربية والإسلامية ذات التأثير في الفضاءات الثلاثة: العربية والآسيوية والإفريقية.

وقد نسج الأخ إسماعيل ولد الشيخ أحمد جانبًا مهمًا من هذه العلاقات خلال مسيرته الطويلة في العمل الدبلوماسي والدولي، وبخاصة من خلال تجربته الواسعة في الأمم المتحدة وقيامه بمهام شديدة التعقيد في اليمن وليبيا وسوريا.

ولعل مما يستحق الذكر هنا أن عددًا من زملائي السابقين في منظمة التعاون الإسلامي أبدوا، فور الإعلان عن ترشح الأخ إسماعيل، قدرًا كبيرًا من التفاؤل والحماس لترشيحه. وقد أكد لي بعضهم، بحكم معرفتهم بالمنظمة ودوائرها، أن الرجل يتمتع أصلًا بسمعة طيبة ومصداقية مهنية ودبلوماسية تجعلان حظوظه قوية، وأن ما يحتاجه أساسًا هو حملة دبلوماسية جادة وفاعلة من بلده لدعم ترشيحه وحشد التأييد اللازم له.

وقد أسعدني ذلك كثيرًا، لأنه يؤكد أن السمعة الطيبة والكفاءة المهنية والعلاقات التي يبنيها الإنسان خلال مسيرته تظل رصيدًا حقيقيًا له ولوطنه، وأن الدعم الرسمي يكون أكثر فاعلية حين يستند إلى مرشح يمتلك أصلًا رصيدًا من الكفاءة والمصداقية والقبول.

ولذلك فإن أهمية انتخاب الأخ إسماعيل تتجاوز البعد الرمزي أو ما يمثله المنصب من مكانة دولية؛ إذ يمكن لخبرته الطويلة أن تمنح موريتانيا حضورًا وصوتًا أكثر تأثيرًا داخل منظمة تواجه اليوم ملفات بالغة الحساسية، في مقدمتها القضية الفلسطينية، والنزاعات الإقليمية، والأزمات الإنسانية، والإسلاموفوبيا، والعلاقات بين الدول الإسلامية والقوى الدولية الكبرى.

ومما لا مراء فيه أن هذا النجاح يُحسب، أولًا وقبل كل شيء، لفخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، الذي تأكد أنه انتهج في السنوات الأخيرة سياسة أكثر فاعلية في التعامل مع المناصب الدولية، تقوم على مبدأ بسيط ولكنه بالغ الأهمية: اختيار المرشح المناسب للمنصب الدولي المناسب، ثم توفير الدعم السياسي والدبلوماسي اللازم لإنجاح ترشيحه.

وقد تجسد هذا النهج في الدفع بترشيح الأخ إسماعيل ولد الشيخ أحمد، مثلما تجسد من قبل في دعم ترشيح الأخ سيدي ولد التاه لرئاسة مجموعة البنك الإفريقي للتنمية.

ويأتي ذلك في إطار إشراف رئيس الجمهورية المباشر على الملفات السيادية والاستراتيجية، وفي مقدمتها السياسة الخارجية والدبلوماسية، حيث لا يكفي اختيار المرشح المناسب وحده، بل يتطلب النجاح كذلك حسن إدارة العلاقات، وبناء التحالفات، واستثمار رصيد البلاد وعلاقاتها بقدر كبير من الحكمة والفاعلية.

ولعل في تراثنا الاجتماعي الموريتاني ما يقرب هذه الفكرة؛ فقد كان أجدادنا يدركون أهمية اختيار «لغفير» المناسب للمهمة المناسبة، لما يتطلبه إصلاح العلاقات المتوترة بين القبائل من حكمة ومعرفة بالناس وقدرة على بناء الثقة. والدبلوماسية الناعمة والفعالة، وإن اختلفت أدواتها وسياقاتها، تقوم هي الأخرى على حسن اختيار من يمثل البلد، وعلى معرفته بالآخرين وقدرته على التواصل والتفاوض وبناء جسور الثقة معهم.

وهذا التوجه يختلف عما عرفناه في بعض الفترات السابقة، حين كانت بلادنا تدخل أحيانًا منافسات دولية بمرشحين لا تتوافر لبعضهم بالضرورة الخبرة الدولية الكافية أو الحضور المهني والدبلوماسي والشبكات الضرورية لخوض منافسات من هذا المستوى.

وبفضل الله تعالى، فإن الأمين العام الجديد رجل دولة متمكن وصاحب خبرة وتجربة كبيرة في مجال الدبلوماسية الدولية المتعددة الأطراف؛ ولذلك فهو جاهز، بإذن الله، للعمل منذ يومه الأول، ولن يحتاج إلى فترة طويلة للتعرف على آليات العمل الدبلوماسي الدولي أو التكيف مع بيئته الجديدة والمعقدة.

فالعمل متعدد الأطراف يختلف كثيرًا عن تسيير الشأن الوطني، على صعوبته، كما أنه أكثر تعقيدًا من إدارة العلاقات الثنائية، على أهميتها؛ لأنه يقوم على التوفيق المستمر بين مصالح سبع وخمسين دولة، لكل واحدة منها أولوياتها وتحالفاتها وحساباتها السياسية والاقتصادية والاستراتيجية.

ومن هنا، فإن انتخاب الأخ إسماعيل لا ينبغي النظر إليه فقط بوصفه نجاحًا شخصيًا مستحقًا أو انتصارًا دبلوماسيًا ظرفيًا، بل باعتباره فرصة لموريتانيا كي تعزز موقعها داخل الفضاء الإسلامي وفي الدبلوماسية متعددة الأطراف عمومًا.

غير أن تنامي الحضور والتأثير في الخارج ينبغي أن يواكبه، في الوقت نفسه، تعزيز مؤسساتنا وكفاءاتنا في الداخل؛ فالمكانة الدولية المستدامة للدول لا تقوم على النجاحات الخارجية وحدها، وإنما تترسخ حين يسير النفوذ الدبلوماسي وقوة المؤسسات الوطنية جنبًا إلى جنب.

وهنا ربما تكمن إحدى أهم الرسائل التي يمكن استخلاصها من هذا النجاح: موريتانيا تملك الكفاءات القادرة على المنافسة والنجاح دوليًا، وما تحتاجه هو حسن اختيارها، والثقة بها، ودعمها، ووضع الشخص المناسب في المكان المناسب، في الخارج كما في الداخل.

فهنيئًا للأخ إسماعيل ولد الشيخ أحمد هذه الثقة المستحقة، وهنيئًا لموريتانيا وشعبها هذا النجاح الدبلوماسي الكبير، مع خالص تمنياتنا له بالتوفيق والسداد في هذه المسؤولية الجسيمة، خدمةً لقضايا الأمة الإسلامية وتعزيزًا لدور منظمتها ومكانتها في عالم يزداد تعقيدًا وتحديات.