في سيلبابي.. الماء يصعد سُلّم الأسعار

جمعة, 23/10/2026 - 09:16
أحمد محمد فال أحمد

لم تعد قنينة الماء في سيلبابي كما عهدناها. يبدو أنها قررت أخيرا تحسين وضعها الاقتصادي، ومغادرة طبقة السلع المتواضعة إلى مصاف المنتجات التي تستحق التقدير، وربما الاحترام أيضا. فقد قفز سعرها من عشر أواق إلى خمس عشرة، في ترقية بنسبة خمسين في المائة، بينما ما تزال رواتب الموظفين تنتظر دورها في طابور الترقيات.

بالأمس القريب، كنت تدخل الدكان وتطلب قنينة ماء بعشر أواقٍ، تشربها وتمضي في سبيلك، دون أن تشعر بأنك اتخذت قرارا اقتصاديا يستحق الدراسة. أما اليوم، فقد أصبح عليك أن تدفع خمس عشرة أوقية مقابل الكمية نفسها، وكأن الماء اكتسب مؤهلا علميا جديدا، أو حصل على شهادة خبرة تخوله المطالبة بزيادة استثنائية!

ولأنني لا أحب التسرع في إصدار الأحكام، فقد أجريت تحقيقا اقتصاديا متواضعا، لا يحتاج إلى لجنة برلمانية، ولا إلى خبراء من صندوق النقد الدولي. سألت في بقالة كبيرة ومحلين صغيرين قرب المنزل، فوجدت السعر الجديد حاضرا في المحلات الثلاثة. بدا الأمر وكأن قناني الماء عقدت مؤتمرا طارئا، واتفقت على أن مرحلة العشر أواق قد انتهت، وأن زمن الخمس عشرة قد بدأ.

لكن للحكاية في سيلبابي وجها آخر. فمنذ قدومي إلى المدينة، لاحظت أن مياه الحنفيات يتغير لونها كثيرا، فتميل إلى الصفرة، وتظهر فيها أحيانا رواسب تشبه التراب. ويعزو بعض الأهالي ذلك إلى مصدر المياه القادم من النهر وتأثير الأمطار، ويعتبرون المشهد مألوفا، ويستخدمون المياه بصورة عادية، دون الاستغراب الذي قد يشعر به القادمون من مناطق أخرى.

أما أنا، فما زلت في مرحلة التأقلم مع هذه الخصوصية المحلية. أفتح الحنفية بحثًا عن الماء، فأجد نفسي أتأمل لونه قبل التفكير في شربه، وكأنني أمام تجربة علمية لم أستعد لها. وليس في ذلك حكم على صلاحية المياه أو سلامتها، فهذه مسائل يحسمها المختصون، وإنما هي ملاحظة شخصية جعلتني أفضل المياه المعبأة للشرب، وأترك لأهل المدينة خبرتهم الطويلة مع مياههم.

وهكذا وجدت نفسي أمام معادلة اقتصادية طريفة: ماء يصل إلى المنزل، لكنني أفضل ألا أشربه، وماء أطمئن إلى شربه، لكنه قرر رفع سعره دون استشارتي. وبين الأول والثاني، يقف جيبي محاولا التكيف مع خصوصيات المدينة ومتطلبات العطش.

أما في سوق الجملة، فيبلغ سعر كيس المياه الصغيرة، الذي يضم اثنتي عشرة قنينة، 135 أوقية، بينما يصل ثمن العدد نفسه بالتجزئة إلى 180 أوقية. وليس الفرق كله ربحًا صافيًا للبائع، فهناك تكاليف للنقل والتخزين والتوزيع. لكن المستهلك الذي لا يحتاج إلا إلى قنينة واحدة يتلقى درسًا اقتصاديا جديدا: حتى في عالم العطش، من يستطيع الشراء بكميات أكبر يحصل على سعر أفضل.

ولست أدري إن كان الماء المعبأ قد أصبح أكثر نقاءً، أم أن البلاستيك اكتشف قيمته الحقيقية، أم أن العطش نفسه دخل مرحلة جديدة من الإصلاحات الاقتصادية. كل ما أعرفه أنني أصبحت مطالبا بدفع المزيد مقابل الحاجة نفسها، بينما يظل الدخل واقفا عند العتبة، يراقب الأسعار وهي تصعد السلم درجة بعد أخرى.

والأغرب أن الأسعار عندنا تتمتع بلياقة بدنية يحسدها عليها الرياضيون؛ فهي تتسلق المرتفعات بسهولة مدهشة، لكنها حين يتعلق الأمر بالنزول تصاب فجأة بآلام المفاصل. تصعد دون استئذان، وتستقر في القمة كأنها وجدت مكانها الطبيعي، بينما يبقى المواطن أسفل الجبل ينتظر عودتها.

قد يستخف البعض بزيادة خمس أواق في ثمن قنينة ماء، لكنها ليست مجرد عملية حسابية بالنسبة إلى أسرة محدودة الدخل، خصوصا حين يصبح شراء المياه المعبأة جزءًا ثابتا من مصروفها اليومي. فالزيادات الصغيرة، حين تتراكم في الماء والغذاء والنقل، تتحول إلى عبء كبير، دون أن تتلقى الرواتب إشعارًا مماثلا بضرورة مواكبة الأسعار.

وليس المقصود تحميل التجار وحدهم مسؤولية هذا الارتفاع؛ فقد تكون وراءه أسباب تتعلق بالنقل والتوريد وغيرهما من التكاليف. لكن من حق المستهلك أن يعرف لماذا ارتفع السعر، وهل تعكس الزيادة تغيرًا فعليا في تكاليف توفير المياه، أم أن هناك عوامل أخرى لم تتضح بعد؟

وإذا كانت المحلات الثلاثة التي سألت فيها لا تمثل بالضرورة جميع أسواق سيلبابي، فإن ما رصدته يكفي لطرح سؤال يستحق النقاش. فحين ترتفع أسعار سلعة يعتمد عليها الناس بصورة يومية، يصبح البحث عن أسباب الزيادة أهم من مجرد التكيف معها، خاصة أن دخل المواطن لا يتمتع بالمرونة نفسها التي تتمتع بها الأسعار.

لا أطالب بإعلان حالة الطوارئ بسبب قنينة ماء، ولا بتشكيل لجنة تحقيق في أسباب عطش سكان سيلبابي. كل ما أتمناه أن نجد تفسيرًا واضحًا لارتفاع الأسعار، وأن يبقى الحصول على مياه الشرب المعبأة في متناول من يعتمدون عليها، سواء بدافع الحاجة أو الاعتياد أو الاطمئنان الشخصي.

وفي انتظار ذلك، ربما علينا أن نعيد النظر في علاقتنا بالماء، وأن نتوقف عن شربه دون تخطيط مسبق، وأن نخصص له بندا مستقلًا في ميزانية الأسرة، تمامًا كما نفعل مع الإيجار والكهرباء والنقل.

أما أنا، فقد بدأت أخشى أن يأتي يوم أدخل فيه الدكان طالبا قنينة ماء، فينظر إليّ البائع نظرة جادة، ثم يسألني:

«نقدا أم بالتقسيط؟»