ابتداءً، أنبّه إلى أن هذا المكتوب يتناول ظاهرة الفساد وصورها وآثارها، وكيف تُفضي بعض ممارساته إلى صناعة الثراء غير المشروع وإفقارِ فئاتٍ من المجتمع، من خلال العبث بمقدرات البلد وإهدار موارده .
وبعد فإني طالعت مقالا شيقا أتحفنا به أحد جهابذة المدونين الموقع باسم مستعار، تناول فيه بإسهاب ممتع حياة الولي الجليل الشيخ أحمد بنب ، وعرض فيه بعض العلاقات المتميزة التي تربطه بجماعة من أجلاء الموريتانيين.
ما رأيته من الداخل لا تستطيع الخصومة السياسية أن تمحوه
ليس من السهل أن تكتب عن سبع سنوات عشتها من داخل المشهد السياسي، لا متفرجاً على مدرجاته، ولا قارئاً لأحداثه من صفحات الصحف، وإنما شاهداً ومشاركاً في تفاصيله، من خلال وجودي طوال هذه السنوات في اللجنة الوطنية لشباب حزب الإنصاف، مستشاراً لرئيسها.
منذ نشأتها في موريتانيا، لم تكن الحركة الناصرية مجرد انتماء أيديولوجي لفكر قومي عابر، وإنما مثلت مشروعًا سياسيًا وثقافيًا واجتماعيًا متكاملًا، سعى إلى الإسهام في بناء وعي وطني مستقل، قائم على التحرر من التبعية، والدفاع عن السيادة الوطنية، وتعزيز الهوية العربية الإسلامية، وترسيخ العدالة الاجتماعية والمواطنة المتساوية.
في ستينيات القرن الماضي، كانت قريةٌ ريفيةٌ في الشرق الموريتاني كأنها لوحةٌ من طينٍ وتبن، يطلُّ عليها جبلٌ أسطوريٌّ شاهقٌ يرمي بظلاله على البيوت مع ميلان الشمس. جلُّ المنازلِ من طين، وأزقتُها الواسعةُ تملؤها رائحةُ الخريفِ وصوتُ خوارِ الأبقارِ وهي تعودُ إلى عجولها المنتظرةِ أمامَ البيوت.
حين نعود إلى محطات الوطن الكبرى، لا ينبغي أن يكون هدفنا مجرد الاحتفاء بالتاريخ، بل أن نتوقف عند ما حملته تلك المحطات من معانٍ ودروس، وأن نقرأ مسار الدولة بعين المسؤولية والإنصاف.
ليس بين عام 2011 واليوم خمسة عشر عاما فحسب، وإنما بينهما أمة كانت تستحي، وأمة تكاد تستحي من حيائها. بينهما مجتمع كان يعد الستر شرفا، فإذا به اليوم يراه عند بعض الناس قيدا، وكان يعتبر الحياء زينة النفوس، فإذا به في زمن الضجيج يوشك أن يصنف في عداد الضعف والتخلف.
يقف المشرع، ومعه المنفذ، أحيانا أمام مفارقة دقيقة، حين يعلنان المساواة بين المواطنين، بوصفها نمطا من أنماط العدالة، ثم حيناً من الدهر يُكتشف أن تفضيل بعض المواطنين على بعض في الرزق قد تكون المساواة ذاتها سببا فيه؛ فيصل إلى أبواب التعليم والوظيفة والتمثيل السياسي أقوام بعد أن قطعت فئات أخرى معظم الطريق.